لولا الإسلامُ لأكلتْ تَغلِبُ الناس ... وليد يحيى

اخر قرائه من
اقل من
1 دقيقه
قراءت الموضوع

لولا الإسلامُ لأكلتْ تَغلِبُ الناس ... وليد يحيى

ديسمبر 17, 2014 - 11:53
التصنيف:

 

بداية لا يمكن الإجابة على هذه المقولة من وجهة نظري إلا في ضوء عدة محاور رئيسية حتى تنكشف لنا كل زوايا الرؤية في إيجاز غير مخل ولنبدأ في سرد تلك المحاور موضحة و مرتبة.

أولًا: من تغلب...... وما هي البنية الفكرية التي تقوم على أساسها؟

ثانيًا: ما هي الخطورة التي كانت تكمن في وجودها من وجهة نظر العرب؟

ثالثًا: الظروف التاريخية والاستراتيجية التي مهدت لتلك الخطورة قبل الإسلام؟

رابعًا: القواسم المشتركة بين تغلب والإسلام.

خامسًا: كيف قضى الإسلام على تلك الخطورة؟

سادسًا: معايير المفاضلة بين تغلب والإسلام عند العرب.

فيتجلى المعنى(((لولا الإسلامُ لأكلتْ تَغلِبُ الناس)))

 أولًا:

 من تغلب.. وما هي البنية الفكرية التي تقوم على أساسها؟

  ترجع قبيلة تغلب في نسبها إلى: تغلب بن وائل..... وكان لوائل خمسة أولاد: بكر، وعنز، والشُّخيص، والحارث، وتغلب، وأمهم جميعًا هند بنت مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر وقد صار ثلاثة من أولاده أصولاً لثلاث قبائل كبيرة، وهم: بكر وعنز وتغلب. أما الشُّخيص والحارث فذريتهما قليلة، فاندمج بنو الشُّخيص في تغلب، وبنو الحارث في بني عائش بن مالك.(جمهرة أنساب العرب: 2/302). وأولاد تغلب: غنم، والأوس، وعمران، وكانت ذرية عمران قليلة ليس فيهم مشاهير، وأكثر منهم قليلاً بنو أوس،..... وأما البنية الفكرية التي قامت على أساسها تنقسم إلى قسمين:

أـــ البناء العقدي.... كانوا مسيحيين أرثوذكس يغلب عليهم الفكر المزدري للآخر بالاعتبار الديني السائد أن من خالف الإيمان القويم فهو خارج عن الملة وإن كان من المسيحيين أنفسهم فنحن نعلم أن المسيحيين الأرثوذكس يعتبرون المسيحيين الكاثوليك أنفسهم ليسوا على الإيمان القويم بل هم منحرفون العقيدة إذن فكيف ينظر لعبدة الأوثان والأصنام من قبائل العرب... فيغلب على بعضهم أيضًا فكرة الواحدية ومحو الآخر وطمس وجوده فحينما تصبغ تلك الفكرة على جماعة لهم هذا الوازع بصبغة التغلبية العربية كما سأنقل في النقة بـ تتجلى فكرة المحو للعرب.

ب ــ البنية الاجتماعية.... العرب بشكل عام عندهم طابع الافتخار وهم على درجات... فلما أشعر بالأنا المتدين المؤمن بالإيمان القويم للرب يسوع المسيح وعندي أيضًا كعربي في قبيلتي التغلبية التي حتى اسمها يضفي عليها طابع القهر والغلبة شعراء ومثقفين ويألفون أجمل وأعظم القصائد مدحًا وبهاء تزداد عندي النزعة إلى الإيمان بالأنا الفردي وعدم الاستعداد لقبول الآخر وإليكم القليل من الأشعار التي كانت تكتب لأجل هذا... فعمرو بن كلثوم يقول:

 مَـلأْنَا البَـرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّـا... وَظَهرَ البَحْـرِ نَمْلَـؤُهُ سَفِيْنَـا

إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ... تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا

وهذا المهلهل بن الربيعة(الزير سالم):

يا لبكـر انـشـــروا لي كليبـا يا لبـكـر أيـن أيـن الـــــفرارُ
يا لـبكـر اظعـنـوا ثم حلوا صـرح الشر وباح السرارُ
سـفهـت شيبان لما التقيـنا إن عـود الـتغـلبـي نـضــارُ
وبنو عجل تـقــول لـقـيـسٍ ولــتـيـم الله سـيروا فساروا

وقال الفرزدق(لجرير) :
ما ضر تغلب وائل أهجوتها.. ام بُلـت حـيث تناطـح البحـران
قوم هم قتلوا ابن هندٍ عنـوة ...عمراً وهم قسطوا على النّعمان

وقال أفنون التغلبي:

ألا فاعلم أبــيت اللعن أنا.. على عـمدٍ سنأتي ما نريد
وتعلم أن محــــملنا ثقيل.. وأن زنــاد كبـــــتنا شديد
وأنا لــيس حــي في معد.. يوازينا إذا لبــــس الحديد

تلك النزعة الأنعرية هي المكونة للفكر العقدي والاجتماعي لبنو تغلب.

ثانيًا:

ما هي الخطورة التي كانت تكمن في وجودها من وجهة نظر العرب؟

المصالح الاقتصادية... والاجتماعية... السياسية... بالقطع مهددة تحت هذه النعرة التغلبية وهم قوم يهوون البطش والحرب بشكل توجهي عجيب لمحو الآخر فقد حاربوا:

يوم السلان:غزت فيه مذحج أهل تهامة ومن بها من أولاد معد، فاجتمعوا لحربها، وكان أكثرهم ربيعة، فرأسوا عليهم ربيعة بن الحارث، فهزموا مذحجًا.(تاريخ اليعقوبي:1/224).

  2- وقعة الخزاز: كانت بين القبائل القحطانية من أهل اليمن، فاقتتلوا فانهزمت مذحج. فملَّكت ربيعة كليبًا أخ المهلهل قبل أن يقتله جساس وتشتعل بسببه حرب البسوس.(الكامل:1/ 521).

  3 - يوم كلاب الأول: بين الملك شرحبيل بن الحارث بن عمرو ملك بكر بن وائل، فكانت الغلبة لتغلب وسلمة، وانهزم شرحبيل، ولحقه أبو الحنش فقتله وجاء برأسه لأخيه سلمة، فندم وجزع وهرب أبو حنش.(الكامل :1/550).

  4- يوم أوارة الأول: كان بين المنذر بن امرئ القيس ملك الحيرة وبين بكر بن وائل، وسببه أن تغلب طردت ملكها سلمة بن الحارث، فالتجأ إلى بكر بن وائل فملكته بكر عليها! فحلف المنذر ليسيرن إليهم ويذبحهم على قلة جبل أوارة حتى يبلغ الدم الحضيض! وسار إليهم في جموعه من تغلب والنمر بن قاسط فالتقوا بأوارة فاقتتلوا وانهزمت بكر، وأمر المنذر بقتل الأسرى وهم كثر فذبحوا على جبل أوارة فجعل الدم يجمد، فقيل له: أبيت اللعن لو ذبحت كل بكري على وجه الأرض لم تبلغ دماؤهم الحضيض، ولكن لو صببت عليه الماء ففعل فسال الدم إلى الحضيض، وأمر بالنساء أن يحرقن بالنار!(الكامل:1/553).

  7 - يوم بارق: اقتتل فيه بنو تغلب والنمر بن قاسط وناس من تميم، فاجتمعت شيبان وقصدوا تغلب فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم تصب تغلب بمثلها وسبوا حريمهم.(الكامل:1/648).

  8- حربهم مع ملك الشام الحارث وغزا بني تغلب، فاقتتلوا حتى انهزم الحارث وبنو غسان، وقتل أخو الحارث وعدد كثير!

  9- حربهم مع زهير بن جناب الكلبي: فقد جمع زهير من قدر عليه من أهل اليمن، وغزا بكرًا وتغلب، فانهزمت بكر ثم انهزمت تغلب، وأسر كليب ومهلهل ابنا ربيعة. (الكامل:1/505).

  10- يوم زرود: موضع بين مكة والكوفة، وفيه أغار جذيمة التغلبي على بني يربوع من تميم، فانهزمت تغلب وأسر جذيمة(معجم ما استعجم: 2/697).

  11- يوم ذي بهدى: أغار الهذيل بن هبيرة التغلبي على ضبة، وهم بطن من مضر، فاستصرخت بنو ضبة بني سعد بن زيد مناة من تميم، فانهزمت بنو تغلب، وأسر الهذيل، ثم فداه قومه ففكوا أسره.(الكامل:1/218).

  12- يوم إراب: ماء بالبادية لبني رياح من تميم، وقد غزاهم هذيل بن هبيرة التغلبي فسبى نساءهم.(الكامل:1/133)...... المنطقة إذن كلها في حالة من الخطر الداهم من هؤلاء الجبابرة الذين يهددون المصالح من كل الزوايا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا ودينيًا.

ثالثًا:

 الظروف التاريخية والاستراتيجية التي مهدت لتلك الخطورة قبل الإسلام:

بني تغلب في الأصل قبل الإسلام كانت في الجزيرة العربية ثم انتقلوا في القرن السابع الميلادي إلى العراق وكانت ديارهم فيه تقع شمال الحيرة على نهر الفرات بالجزيرة الفراتية، من أبرز المناطق التي سكنوها بعد ذلك: الثرثار، بين سنجار وتكريت وبين الموصل في العراق وحلب في سوريا. فجزء منهم بقي في شبة الجزية وجزء في الشام وجزء في العراق مما يمهد تمامًا لحالة من السيطرة حتى على طريق الحرير الذي هو أصل أصول التجارة والبنية الاقتصادية قديمًا.

رابعًا:

 القواسم المشتركة بين تغلب والإسلام.... الإسلام فرق بين المشركين في المطلق وبين أهل الكتاب حتى أن الله تعالى قال(‏‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) ففرق في التعامل بين أهل الكتاب وغيرهم ولم يسوِ بين كل منهم والآخر وأما تغلب فلم تجد من يقدس السيد المسيح والسيدة العذراء البتول مريم سوى هؤلاء الناس الذين يدعون بدعوى جديدة اسمها الإسلام..... تغلب كانوا عرب ودعوة الإسلام كانت بالعربية ونبي الإسلام كان عربيًا فكانت سهولة الاتصال الفكري سريعة فاللغة واحدة والأصلاب ليست بعيدة.... فدخلت بعض قبائل تغلب في الإسلام...... قال ابن سعد في الطبقات:1 /316:«قدم على رسول الله(ص) وفد بني تغلب ستة عشر رجلاً، مسلمين ونصارى عليهم صُلُبُ الذهب، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، فصالح رسول الله(ص) النصارى على أن يقرهم على دينهم، على أن لا يصبغوا(يُعَمِّدُوا) أولادهم في النصرانية، وأجاز المسلمين منهم بجوائزهم» فواضح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يظل بني تغلب على نصرانيتهم إن شاءوا، وهو ماحدث بالفعل، إذ ظل بني تغلب نصارى في العراق وكانت لهم كنائسًا في مناطق مثل(عين التمر)..(الموصل) وغيرها، ونلاحظ نقطة مهمة وهي عدم فرض الجزية عليهم لكون بلادهم خارجة عن حكم المسلمين أصلًا، إذ من المعروف أن نفوذ المسلمين السياسي في عهد الرسول الكريم لم يتعدَ حدود بلاد العرب في الحجاز ونجد والبحرين.

خامسًا: كيف قضى الإسلام على تلك الخطورة؟

بطريقتين إحداهما تم نقلها عن وجود القواسم المشتركة بين كلاهما والآخر فيتم التحلل عن البنية الفكرية الأولى وهي العقدية والثاني عن طريق قبول المسالمين منهم والصلح معهم و هو ما ينشأ عنه أيضًا التمازج الاجتماعي بين الفريقين والذي يدعو إلى السلام الاجتماعي فيضفي على تغلب الطابع السملي...... والطريقة الأخرى هي قتال العتاة منهم بطريقة ذكية جدًا، قرر المسلمون في عهد عمر توجيه فتوحاتهم إلى بلاد الرافدين حيث تتواجد قبائل تغلب والنمر ومن معهم من ربيعة وكانو متناثرين ومن ديارهم هناك(عين التمر)(تكريت)( الموصل)، وقد اعتمد المسلمون على قبائل ربيعة المسلمة في قتالهم لتغلب وخاصة عنزة وشيبان وهم في عداد بكر بن وائل تلك الحقبة، وقد مر معنا بعض الاشتباكات بين تغلب وبين المسلمين في عهد أبي بكر الصديق، وتتجدد هذه الحروب في عهد عمر لأن المسلمين يريدون السيطرة الكاملة على عرب العراق وطرد الفرس عنه. ومن الواضح اعتماد عمر بن الخطاب على المثل القائل(لا يفل الحديد إلا الحديد) فقد اعتمد على قبائل ربيعة المسلمة في حروبه مع تغلب والنمر في بلاد الرافدين، وأبرز الأحداث في عهد عمر والتي تخص تغلب:

1-فتح تكريت سنة 16هـ ومن قواد ربيعة المشاركين في الحملة الأفكل العنزي وقائد الحملة هو سعد بن أبي وقاص ومع تغلب بعض من قبائل إياد ونصارى الروم، وانتهت الحملة بهزيمة تغلب وتبعيتهم لقومهم المسلمين من ربيعة مثل الأفكل العنزي وفرات العجلي من اللهازم.

2-بعد فتح تكريت وبنفس العام سنة 16هـ يهاجم المسلمون الموصل حيث تجمهر بها عددًا من تغلب، وقائد المسلمين ربعي بن الأفكل العنزي الذي فتح الموصل بمن معه من تغلب والنمر وأصبح أميرًا عليها.

وقد أدت هذه الحروب إلى إضعاف نفوذ الفرس في العراق عبر إضعاف أقوى حلفائهم– قبيلة تغلب- وأصبح موقف قبائل بكر هو الأقوى لأنها كانت على الإسلام، فهي إذن مدعومة بشرعية الدولة.

سادسًا:

معايير المفاضلة بين تغلب والإسلام عند العرب..... لما تولى الإسلام زمام الأمور في المنطقة بأثرها وكانت هناك معاهدات بين الإسلام وقبائل العرب التي لم تدخل الإسلام، عقد رسول اللهعدَّة معاهدات مع المشركين؛ سواء منهم من كان حول المدينة أوفي مكة ذاتها، أما القبائل حول المدينة فمنها على سبيل المثال المعاهدة التي عقدها رسول اللهمع بني ضمرة وكان على رأسهم آنذاك مخشي بن عمرو الضمري، وفيها- كما تقول الرواية وادعهم رسول الله، وكانت هذه الموادعة في صفر سنة(2هـ) أي بعد أقل من عام من هجرة رسول الله؛ ممَّا يُوَضِّح وجود هذا الفكر التعايشي من بداية نشأة الدولة الإسلامية، وكذلك وادع رسول اللهبني مدلج، والذين يعيشون في منطقة ينبع، وذلك في جمادى الأولى من السنة الثانية من الهجرة وفعل نفس الشيء أيضًا مع قبائل جهينة، وهي قبائل كبيرة تسكن في الشمال الغربي للمدينة المنورة.

لقد حاول رسول اللهأن يعيش هو والمسلمون في جوٍّ هادئ مسالم مع من يجاورونهم من القبائل والبطون، ولم يَسْعَ لقتال قط، بل كان دائمًا مؤْثِرًا السلم على الحرب، والوفاق على الشقاق.

 إذن: لولا الإسلامُ لأكلتْ تَغلِبُ الناس .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

0

أخبار متعلقة