لؤلؤة خط الاستواء.. إندونيسيا

اخر قرائه من
اقل من
1 دقيقه
قراءت الموضوع

لؤلؤة خط الاستواء.. إندونيسيا

أغسطس 17, 2016 - 17:47

سيداتي ساداتي، معكم قبطان رحلتكم، أبلغكم بأن طائرة خطوطنا الجوية المدرجة في اللائحة السوداء، ستتحطم في المحيط بعد ربع ساعة، حرارة المياه 2 درجة مئوية على أفضل تقدير، ستجدون تحت مقاعدكم سترات النجاة، قد تكون مفيدة لكم في حال نجوتم من قوة الاصطدام، أتمنى لكم حادثًا موفقًا على متن خطوطنا الجوية.

كنت نائمًا وحلمت بذلك من شدة ما لاقته رحلتنا من أخطار، حيث كانت طائرتنا تحلق وسط عواصف من الأمطار الغزيرة ورعد وبرق كنا نشعر به وهو يضرب جسم الطائرة الخارجي، فيهزها هزًا يجعل قلوبنا تخفق رعبًا، ولكن بفضل الله تمت الرحلة على خير.

بينما كانت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشر مساءً وصلنا مطار "سوكارنوهاتا"، خرجنا من المطار المكتظ بسحنات مختلفة تعكس شعار البلد "الوحدة في التنوع" وعلى الرغم من الإرهاق الذي بدا على وجوهنا أنا وزميلي، إلا أن شغفنا لاكتشاف هذا البلد جعلنا نبقي جميع حواسنا نشطة ومستيقظة ومتأهبة للتعرف إليها، حيث تأبطنا شغفنا وفضولنا لخوض تجربة فريدة وخالدة، ونحن نعلم أن 72 ساعة هي مدة إقامتنا المقررة لا تكفي لإرضاء تطلعاتنا في هذا البلد الذي يذخر بالعديد من الأماكن المثيرة للاستكشاف، كان الجو رطبًا وحارًا، وتبدو شوارع المدينة الهادئة في الليل كأنها تنام بهدوء وسكينة على فراش من الخضرة بعد أن أخذت حمامًا روتينيًا من قطرات المطر، وصلنا إلى الفندق الذي سنقيم فيه والذي تزينه الديكورات الأنيقة حيث تنعكس إشراقة الألوان الزاهية والخطوط التعبيرية الفنية في لوحات فريدة على أثاث الفندق.

إندونيسيا دولة تقع في جنوب شرق آسيا، ويبلغ عدد سكانها حوالي 238 مليون شخص، وهي رابع دولة من حيث عدد السكان، وأكبر عدد سكان في العالم من المسلمين، فهي أكبر دولة إسلامية بعدد السكان وغالبية سكانها مسلمون، ولم يدخل الأندونيسيون الدين الإسلامي بالفتح، بل عن طريق التجار العرب المسلمين، وأول منطقة أندونيسية وصلها الإسلام هي شواطئ جزيرة سومطرة وهي أكبر جزرها، يوجد بها أكثر من 300 عرق يتكلمون 200 لغة، ولكل مجموعة تقاليد ومميزات خاصة، ولعل ما يجمع بينهم وجعلهم شعبًا واحدًا، تاريخهم المشترك وأصالتهم الأرخبيلية حيث يجمعهم 17508 جزيرة، وتتمتع إندونيسيا بموسمين الرطب والجاف، وتكون درجات الحرارة الدافئة الاستوائية في المتوسط 28 درجة مئوية خلال النهار، وأفضل وقت للسفر لإندونيسيا هو في الفترة ما بين مايو وسبتمبر.

في الصباح الباكر ومن نافذة الفندق أطلت جاكرتا علينا ناعمة ساحرة، كشفت مع نور الصباح وزخات المطر تاريخها ومعمارها وجمال طبيعتها الخلاب وهي ترتدي حلة رائعة من الجمال والأناقة وتقدم نفسها لزوارها، مدينة للمآذن والكنائس والمعابد، وصديقة للشواطئ والخضرة بامتياز، هي عاصمة إندونيسيا وتقع غرب جزيرة جاوة وهي أهم مدنها وكانت في القرن الثامن عشر تدعى "باتافيا" وحدثت فيها مجزرة شهيرة ضد الصينيين الذين كانوا يعيشونها في عام  1740� ثم سميت جاكرتا من "جاياكارتا" ويعني المزدهرة والتي لا تقهر، تعد من أجمل مدن جنوب شرق أسيا، وهي مدينة غنية بإرث ثقافي عريق ولا يزال شعبها محافظًا على التقاليد الأصيلة، كما أنها مدينة متطورة وفي حركة دائمة في الوقت نفسه، كانت قبل قرنين ميناء متواضعًا، لكن تجارة البهارات والمصنوعات اليدوية الرائعة قفزت بها إلى قمة الشهرة. 

بدأت جولتنا الصباحية للتعرف إلى جاكرتا، غادرنا الفندق من البهو الذي يتمتع بإطلالة مميزة تشرف على المركز التجاري المزدهر، حيث اكتشفنا أن المدينة مستيقظة بكامل نشاطها، في مشهد لا يمت إلى هدوء ليلة البارحة بصلة، حتى الطقس تغير في مزاج استوائي وقدم لنا كل الفصول على مدار الساعة، في الشوارع سيول عارمة من الدرجات النارية تزاحم السيارات في الطرق، في مشهد تعلن فيه جاكرتا أنها واحدة من أكثر المدن النابضة بالحياة والضجيج، لكن على الرغم من ذلك وجدت هذا الازدحام هو الأكثر هدوءًا من الذي رأيته في الهند، حيث لا تكادون تسمعون صوتًا واحدًا لمنبه سيارة.

ميدان ميرديكا:

أولى زيارتنا كانت لميدان "ميرديكا" الذي يوجد في جانبه الشمالي القصر الرئاسي "استانا ميرديكا" ويعني قصر الحرية وهو القصر الرسمي ومقر لرئاسة إندونيسيا، وشهد هذا القصر انتقال السيادة من هولندا إلى إندونيسيا، ففي 27 من ديسمبر عام 1949 تم إنزال العلم الهولندي ورفع العلم الإندونيسي على القصر، وعلى الجانب الغربي من الميدان يوجد المتحف القومي الذي أسسه الهولنديون عام 1778 ويعرف المتحف باسم "جيدونج جاجة" أي مبنى الفيل، نسبة إلى تمثال الفيل الموجود أمامه، وهو هدية من أحد ملوك تايلاند عام 1871 داخل المتحف تنقلنا بين بوابات الزمن، حيث يشتمل المتحف على مجموعات كبيرة من الفن الأسيوي، كما يضم أكثر من 140 ألف قطعة من عصور ما قبل التاريخ من القطع الخزفية والأثرية، إلى جانب أجنحة عديدة تضم منحوتات ترجع إلى العصور الهندوسية والبوذية في جاوه، إضافة إلى مشغولات يدوية من مناطق مختلفة من إندونيسيا، ومجموعات من الحضارات والثقافات العالمية القديمة والمعاصرة.

مسجد الاستقلال:

مسجد ضخم ومهيب ويعتبر من أكبر المساجد في جنوب شرق آسيا، يوجد في الزاوية الشمالية الشرقية لساحة مارديكا الشهيرة، ويؤمه المصلون من جميع أنحاء جاكرتا لأداء الصلاة يوميًا، ويقوم أغلب زوار إندونيسيا من المسلمين والأجانب كذلك بزيارته والتقاط الصور بساحته الشهيرة.

موناس:

النصب الوطني "موناس" كما يدعى بشكل شعبي، وهو أحد الأنصاب التذكارية التي بنيت في عهد الرئيس "سوكارنوا" ليمثل تصميم الشعب الإندونيسي في الحصول على حريته واستقلاله عام 1945 ويرتفع لمسافة 137 متر، وفيه مصعد يأخذ الزوار إلى قمة النصب التي كسيت بـ 35 كجم من الذهب الخالص، ويوجد بجانب النصب متحف تاريخي صغير يحتوي على معروضات تاريخية ومساحة خضراء فسيحة.

كوتا:

في المدينة القديمة يقع حي "كوتا" وهو أحد الأحياء الكبرى في جاكرتا، يطل عليه وجه الماضي الهولندي، فنجد مبنى البلدية الهولندية التي بنيت عام 1627 وفي سبعينات القرن الماضي تحول مبنى البلدية القديم إلى متحف التاريخ في جاكرتا، نزلنا من التاكسي باتجاه الميدان النابض بالحياة، خطوات قليلة تجعلنا ندرك بجلاء مدى التنوع السكاني، حيث توجد سحنات إندونيسية مختلفة من أصول صينية وأخرى هندية، كما رأينا فتيات بكامل أناقتهن بلباس غربي، وسرعان ما نرى أخريات يرتدين الحجاب، لا أحد ينظر للغرباء بحذر وريبة، على العكس وجدناهم يسعون إلينا بابتسامة ودودة ورغبة في التعارف، وتحتوي "كوتا" على أماكن مكتظة بباعة السلع الفنية المصنوعة يدويًا، ما يجعلها أماكن ثرية لتجربة النكهة المحلية، ومن المشاهد الأخاذة مجموعات من القبعات والدراجات الهوائية ذات الألوان الزاهية، معروضة للإيجار لمن يرغب في القيام بجولة ممتعة في الهواء الطلق، كما يحتوي الحي على أماكن لطيفة لتناول الطعام، يمكن فيها الاستمتاع بالجلوس على أحد المقاعد الصغيرة المنتشرة وتذوق الطعم المحلي، حيث يتميز الطعام الإندونيسي بتنوعه ونكهته المتميزة، ويعتبر الـ "ساتي" من الأكلات المشهورة في المطبخ الإندونيسي، وهو عبارة عن قطع لحم أو دجاج مشوي تقدم في أسياخ خشبية مع صلصة الساتي، اللافت للنظر في ميدان حي "كوتا" أن المتسولين لا يلجئون إلى الإلحاح أو الضغط من أجل الحصول على مساعدة مالية، بل يؤدون أعمالاً مسلية مثل العزف على القيثارة وتقديم عروض الدمى الراقصة، وآخرون يلجئون إلى حيلة الرجل الجالس على الهواء، أو تلك التي ترتدي ثياب الزفاف وتسمح لنا بالتقاط الصور معها.

جالان سورابايا:

غادرنا الميدان النابض بالحياة إلى حيث يقع سوق التحف القديمة "جالان سورابايا" السوق الشعبي التاريخي، على حواف منطقة Menteng التي أقام فيها الرئيس الأمريكي باراك أوباما لفترة قصيرة، إن موقع "جالان سورابايا" المركزي، يجعل الوصول إليها بالغ السهولة عن طريق الـ "باجاج" النسخة الإندونيسية من التوك توك، ويمثل السوق الواقع في الهواء الطلق مسرحًا لحزمة من الأكشاك التي تبيع التحف والمنحوتات والزهور النادرة والتوابل ومختلف أنواع التذكارات، بعضها من جزيرة بالي، وبعضها من جزيرة جاوة، وأخرى من الاستعمار الهولندي، وغيرها من التذكارات الغير قابلة للتصنيف.

متحف الدمى:

يقع هذا المكان الساحر داخل كنيسة هولندية قديمة، ويتمحور حول واحد من أكثر أنواع الفن الإندونيسي التقليدي ريادة وهو فن تحريك الدمى، فتعني كلمة wayang عرض تحريك الدمى، يحتوي هذا المتحف على دمى خيال وظل بالغة في الرقة والنحول، دمى خشبية ثلاثية الأبعاد، وأقنعة للرقص بالإضافة إلى أجراس الغاميلان التي تضيف بصمة إندونيسيا الخاصة على موسيقاها السحرية.

في جاكرتا كل شيء يصطف جنبًا إلى جنب في هذه المدينة الساحرة، العمارات الشاهقة مع الأكواخ ذات أسقف القرميد الأحمر، الثراء والفقر، الحداثة والعراقة، حتى سكانها الذين اجتمعوا من مختلف الأعراق والثقافات، هي مدينة المتناقضات بلا منازع، فإذا كنتم ترغبون في زيارة مدينة تخرجون منها بذكرى ألف وجه باسم، فعليكم بزيارة جاكرتا، الملقبة بالدريان الكبير نسبة لفاكهة الدريان ذات الرائحة القوية، التي تشكل صدمة للحواس على عكس جزيرة بالي الساكنة والمعتدلة كما سمعنا عنها والتي لم يسعفنا الوقت بزيارتها، ففي عصر اليوم الأخير لزيارتنا كانت الطائرة تقلع بنا في رحلة العودة، وعبر نافذتها التي اختصرت لوحة مثالية للمدينة، ودعتنا جاكرتا بألف صورة وصورة، لكن الصورة الأكثر تأثيرًا وتوثيقًا في الذاكرة، هي تلك الوجوه الباسمة لشعب إندونيسيا الطيب.

0

أخبار متعلقة