في قصر عابدين أسرار تروي قصص التاريخ وأسراره

اخر قرائه من
اقل من
1 دقيقه
قراءت الموضوع

في قصر عابدين أسرار تروي قصص التاريخ وأسراره

سبتمبر 09, 2016 - 20:52

بمناسبة الثورة العرابية التي قادها أحمد عرابي في مثل هذا اليوم  9 سبتمبر 1881 وتعتبر أول ثورة وطنية في تاريخ مصر الحديث، في المواجهة الشهيرة مع الخديوي توفيق، حيث تقدم مع مجموعة من زملائه مطالبين الخديوي توفيق بترقية الضباط المصريين وعزل رياض باشا رئيس مجلس النظار وزيادة عدد الجيش المصري؛ احتجاجًا على التدخل الأجنبي في شئون مصر بعد صدور قانون التصفية عام 1880 وعودة نظم المراقبة الثناثية، ولجوء رياض باشا إلى أساليب الشدة والعنف مع المواطنين المصريين، ومعارضة تشكيل مجلس النواب، وسياسة عثمان رفقي الشركسي وانحيازه السافر للضباط الأتراك والشراكسة واضطهاده للضباط المصريين، وسوء الأحوال الاقتصادية نتيجة تخصيص مبالغ لسداد الديون للأجانب، علاوة على انتشار الوعي الوطني بين المصريين، ولكن الخديوي لم يتقبل هذه المطالب وبدأ في التخطيط للقبض على عرابي وزملائه حيث اعتبرهم من المتآمرين.

والتي بدأت أحداثها أمام قصر عابدين، الذي سنتحدث عنه...

شيد قصر عابدين في عهد الخديوي إسماعيل بعد توليه الحكم في مصر عام ‏‏1836 ويرجع اسم القصر إلى (عابدين بك) أحد القادة العسكريين في عهد محمد علي ‏باشا وكان يمتلك قصرًا صغيرا في مكان القصر الحالي، وقد شيده على مجموعة من البرك التي كانت منتشرة في تلك المنطقة بعد ردمها، فاشتراه إسماعيل ‏وهدمه وضم إليه أراضي واسعة ثم بدأ في تشييد القصر، و‏يعد البداية الأولى لظهور القاهرة الحديثة، ففي نفس الوقت الذي كان يجرى فيه بناء ‏القصر أمر الخديوي إسماعيل بتخطيط القاهرة على النمط الأوروبي من ميادين ‏وشوارع وقصور ومباني وجسور على النيل وحدائق غنية بالنخيل وأنواع الأشجار ‏‏والنباتات النادرة.

صمم القصر المهندس الفرنسي "دي كوريل روسو" بدأ البناء فيه عام 1863 واستغرق بناؤه عشر سنوات، وتم افتتاحه عام 1874

من الباب الرئيسي للقصر، ندرك أننا في الطريق إلى عالم يشبه حكايات ألف ليلة وليلة، ليتأكد حدسنا بالجماليات المتناغمة التي تنطلق من الأسقف والجدران والأرضيات وصولاً إلى قطع الأثاث والطرابيزات والخزائن والتحف الفنية والستائر والمفروشات، إضافة إلى الأعمدة المحفورة بالنقوش المذهبة التي تتناغم مع الحفر المذهب على قطع الأثاث، وأطر اللوحات والمرايا التي تزين الجدران، كما تحمل تيجان الستائر النقوش المذهبة نفسها، سخاء شديد من الزخارف والنقوش والخامات الثرية والتفاصيل التي لم تكن زاخرة فقط بالمكونات والتحف، بل أيضًا مميزة بالذوق الرفيع والعمل الحرفي البديع، وحتى الألوان التي تتراوح بين الغنية جدًا والهادئة جدًا، يضاعف من تألقها حسن التنسيق والمزج والتداخل الباهر، ضم القصر عند إنشائه 500 غرفة وقاعة بخلاف ممرات أرضياتها من الرخام الملون المنقوش بالمرمر، أما الأبواب والنوافذ فصنعت من الزجاج الملون الذي رسمت عليه لوحات ملونة لأشجار وبحار وملائكة وطيور، واحتوت الأسقف على نقوش فنية دقيقة هندسية بارزة ومذهبة، تحتوي على زخارف عربية وإسلامية وإيطالية، أما السلالم فتتسم بالفخامة وتم فرشها بالسجاد الأحمر .

   يحتوي الدور الأول على صالونين، يؤدي أحدهما إلى صالون قناة السويس الذي أنشئ ليتم الاحتفال به بافتتاح قناة السويس، ولكن لم يتم الاحتفال فيه، وهذا الصالون يؤدي إلى الشرفة المؤدية إلى ميدان عابدين.

وهناك قاعة محمد علي التي تعتبر من أكبر قاعات القصر وأفخمها وأمامها مسرح يعد قمة وتحفة فنية، حيث يضم المسرح مئات الكراسي المذهبة وفيه أماكن ‏‏معزولة بالستائر خاصة بالسيدات، ويستخدم الآن في عرض العروض المسرحية الخاصة ‏للزوار والضيوف، ويوضع على باب المسرح حاليًا مجموعة آلات موسيقية.

وفيه أيضًا القاعة البيزنطية التي تعج بمفردات زخرفية غنية بالجماليات مشبعة بالألوان والتفاصيل مصاغة بطراز بيزنطي قريب من الشرقي بهدف خلق أجواء الجمال المناسبة لاستقبال الضيوف.

 

يأخذنا القصر إلى عالم الفخامة والرفاهية إلى عصور اشتهرت بفنونها الرائعة وما تتضمنه من أصول فنية عريقة، تعتمد على مخيلة مبدعين وفنيين مهرة، بذلوا الجهد والوقت لإنتاج تحفة فنية، ليبدو القصر قلعة من الأفكار المبتكرة يبدو فيه التنوع واضحًا، حيث اتسعت الأفكار لتشمل كل الطرز وغيرها من عصور الإبداع، فقاعة العرش عبارة عن ميدان فسيح به قاعة عربية الطراز أرضيتها من الباركيه، ولها باب يفصلها عن قاعة أخرى هي قاعة الحرملك، ومن قاعة العرش أيضًا يبدأ ممر طويل يقود إلى جناح الملك المفروش بأفخر أنواع السجاد، ويتكون الجناح من عدة غرف إحداها مكتب وأخرى صالون، ثم حجرة النوم والحمام وجناحا الملكة والملكة الأم نازلي، وهناك أيضًا جناح الضيوف الأجانب، وكل هذه الأجنحة أقيمت بالدور العلوي من القصر.

 

 أما الدور الأرضي فيضم حديقة القصر وصيدلية، والمطبعة الملكية السابقة وإدارتها، كما يضم مكتبًا للملك فاروق، ويضم كذلك ورشة المكوجية.

ويحتوي قصر عابدين على قاعات وصالونات تتميز بلون جدرانها فالصالون الأبيض ‏والأحمر والأخضر، مزجت بجرأة بين ألوانها وزينة جدرانها النقوش الملونة ووحدات من الخشب الداكن الذي تناغم مع أرضيات الباركيه، تستخدم في استقبال الوفود الرسمية أثناء زيارتها لمصر، إضافة إلى ‏مكتبة القصر التي تحوي على ما يقرب من  55 ألف كتاب.

‏ ويوجد بداخل القصر العديد من الأجنحة مثل الجناح البلجيكي الذي صمم لإقامة ‏ضيوف مصر المهمين وسمي كذلك لأن ملك بلجيكا هو أول من أقام فيه ويضم هذا الجناح ‏سريرًا يعتبر من التحف النادرة نظرًا لما يحتويه من الزخارف والرسومات اليدوية، بالإضافة إلى الستائر التي شكلت عنصر قوة في الديكور يوازي أهمية قطع الأثاث الثابتة، ويصعب الاستغناء عنها فهي من جهة تلعب دورًا عمليًا في حجب نور الشمس القوي، وتعزل الغرف عن أعين الفضوليين من الخارج، ومن جهة أخرى تشكل متممًا جماليًا لديكور الغرف مما يضفي عليها فخامة وأناقة.

‏ ويضم القصر متحفًا في غاية من الثراء التاريخي حيث كان خلفاء الخديوي ‏إسماعيل الذين حكموا مصر من بعده مولعين بوضع لمساتهم على القصر وعمل الإضافات ‏‏التي تناسب ميول وعصر كل منهم، وقد تم ‏ترميمه ترميمًا معماريًا وفنيًا شاملاً، وقد شملت هذه الأعمال تطوير وتحديث متحف ‏الأسلحة بإعادة تنسيقه وعرض محتوياته بأحدث أساليب العرض مع إضافة قاعة إلى ‏المتحف خصصت لعرض الأسلحة المختلفة التي تلقاها رؤساء مصر من الجهات الوطنية المختلفة.

‏أما المتحف الثاني بالقصر خصص لمقتنيات أسرة (محمد علي باشا) من أدوات وأواني ‏من الفضة والكريستال والزجاج الملون وغيرها من التحف والشمعدانات الكريستالية والبرونزية النادرة، وتعتبر التحف واللوحات النادرة التي يضمها القصر من الكنوز، ففيه كمية من التحف واللوحات الفنية الأصلية، لا تقدر بثمن وقد تعاقب على شرائها وجمعها كل الحكام الذين سكنوا القصر.

وكان قصرعابدين قد شهد العديد من الأحداث الساخنة والمؤثرة في تاريخ مصر وكانت نقطة تحول انتهت بثورة يوليو عام1952 ومن أهم الأحداث ثورة 9 سبتمبر عام 1881 بقيادة الزعيم أحمد عرابي الذي قدم فيها مطالب الأمة والجيش للخديوي توفيق، وطلب كبير الياوران أن يترجل عرابي عن فرسه فرفض، وقال كلمته المأثورة (لقد خلقنا الله أحرارًا ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا).

كما شهد الميدان المواجه للقصر بدايات ثورة 1919 عندما ملأت الجماهير ميدان عابدين مطالبة الملك فؤاد بالإفراج عن سعد زغلول ورفاقه وعودتهم من المنفى.

وحادث 4 فبراير 1942 حين أصر السفير البريطاني على تولي مصطفى النحاس رئاسة الوزراء؛ لدرجة أنه وجه إنذارًا للملك فاروق بعزله عن الحكم إن لم يعينه قبل السادسة مساءً، وتقدمت الدبابات البريطانية وقابل السفير البريطاني الملك فاروق وخيره بين تولي النحاس الوزارة أو التنازل عن العرش، فما كان من فاروق إلا أن قام بتعيين النحاس رئيسًا للوزراء.

ومن الأحداث المهمة والساخنة كذلك في تاريخ مصر التي شهدها القصر، هي أزمة مارس التي نشبت بين محمد نجيب وجمال عبدالناصر عام 1954 بعد قيام الثورة، حيث شهد هذا العام تقديم محمد نجيب استقالته في 25 فبراير، ولما تراجع عنها عاد للقصر، بعدها خفتت الأضواء قليلاً عن قصر عابدين، حيث لم يرغب الزعيم جمال عبد الناصر وهو يتحدث عن العدالة الاجتماعية والمساواة ومبادئ الاشتراكية أن يسكن القصر، ففضل أن يسكن في بيته في منطقة منشية البكري، ففتحت الدولة القصر أمام الشعب، كما احتلت الهيئة العامة للإصلاح الزراعي جزءًا من القصر، ووزارة الإرشاد القومي "الإعلام" جزءًا آخر، وظل الأمر هكذا طوال عهد الرئيس الراحل عبد الناصر، وفي عهد الرئيس السادات استعمل جزءًا من القصر لمباشرة مهامه، ثم في عهد الرئيس السابق مبارك، تحولت جميع القصور الملكية قصورًا للرئاسة.

 ورغم كل المقومات الفنية والمعمارية والتاريخية للقصر فإن يد الإهمال قد طالته في بعض السنوات، وفي أواخر عهد السادات بدىء الاعتناء بالقصور، ومنها قصر عابدين بإعادة القصور لما كانت عليه من رونق وجمال بصفتها من كنوز مصر، وبالفعل تم تجديد قصر عابدين وإعادته إلى ما كان عليه بقدر الإمكان، كما تم تجديد وترميم المتاحف الموجودة به لأهميتها التاريخية والأثرية، منها متحف الملك فؤاد والعائلة المالكة ويضم كل هدايا ومقتنيات الأسرة الحاكمة من فضيات وكريستالات وصيني، بالإضافة إلى وثائق أثرية من عهد محمد علي حتى فاروق.

كما تم ترميم متحف الأسلحة ومتحف الأوسمة والنياشين وإعادتها إلى ما كانت عليه، وتم فتح كل هذه المتاحف للجمهور والسائحين.

 

وظل القصر محتفظًا باسمه القديم عابدين لدى العامة الذين أطلقوا الاسم على الميدان والحي بأكمله، وعلى الرغم من قيام حكومة ثورة يوليو بتغيير اسم القصر والميدان إلى قصر وميدان الجمهورية إلا أن الناس ظلت تردد اسمه، ويعد قصر عابدين تحفة ‏تاريخية نادرة  تستحق أن تتوجه مع أسرتك لتتمتع بكل ما يحتويه.

 

0