من أرض المذابح

اخر قرائه من
اقل من
1 دقيقه
قراءت الموضوع

من أرض المذابح

ديسمبر 20, 2016 - 22:25
التصنيف:

 

توقف يا صغيري.. ماذا جرى؟؟ لم كل هذا البكاء؟

لم يتوقف الصغير عن البكاء بحرقة وجسده الصغير ينتفض لا أدري أرعب أم برد؟!! لم تعطه الدموع فرصة للإجابة عن سؤالي.

  • حسنًا تعالى إلى هنا.. لا بأس اهدأ يا صغيري.. أخبرني أين والداك؟؟

نظر بعتب وكأني أخطأت السؤال فاضطررت لتغييره: حسنًا.. هل لديك إخوة؟

اكتفى بهز رأسه إيجابًا.

  • إذًا أين هم؟

 زاد بكاؤه مجددًا بعد أن كاد يهدأ؛ مسارعة أقول: حسنًا هل أنت تائه؟

بيأس وحزن أبعد ناظريه عني ولمحت شبح ابتسامة متهكمة من شفتيه الصغيرتين، يا له من طفل غريب! لكنها لم تدم طويلًا حتى بدأ يبتعد عني مكملًا طريقه نحيبًا موجعًا، لحقت به: أين تذهب؟ انتظر.. لم لا نذهب معًا نبحث عن عائلتك؟!

وأخيرًا تخرج منه الكلمات وهو يمسح بحزم دموعه وتحولت نظرته البريئة التائهة إلى غضب وتحد أكبر من سنين عمره مئات المرات: البحث لن يفيد فقد تركوني ورحلوا...

صدمت من رده: ماذا؟ كيف؟ لم؟ لا داع للقلق ما رأيك أن تذهب معي للمنزل؟

تلك الضحكة المتهكمة من جديد: الشوارع أطهر من بيوتكم.

صعقت من رده: ماذا؟ ما الذي تقوله يا صغير؟!

قلتها بحدة وغضب..

أشار بيده للخلف يبدو كأنه المكان الذي أتى منه: اذهبي إلى هناك وستفهمين.

  • لكن ماذا عنك؟ ألن ترافقني؟؟!

اقترب مني وتقدمت خطواته الصغيرة على خطواتي، حاولت كسر الصمت فسألته: ما اسمك؟

دون أن ينظر إلي حتى: وبم يفيدك اسمي...

وقبل أن يكمل وجدت نفسي على مشارف بقايا مدينة فقلت: إلى أين نذهب؟

- إلى أرض كان فيها التاريخ والآن باتت من التاريخ.

لم نتقدم كثيرًا حتى امتلأت الأجواء بروائح غريبة وفي حين أبحث في حقيبتي عن منديل أكتم به أنفي من شم تلك الرائحة شعرت بقدمي تضرب بركة من الماء، مسرعة أنظر تحتي لتفادي ما دبت فيه قدمي مجمدة في مكاني جاحظة العينين أنظر لتلك البركة من الدماء يخالطها ماء المطر، ناظرة للفتى في ذعر أرجوه ألا تكون دماء.

أتاني رده: إنها ما تظنينه سيدتي.

أكمل طريقه فتبعته كالمنومة مغناطيسيًا، بضع خطوات فقط حتى وجدتني أقف على مشارف ما يبدو للجاهل مذبح بشري، جثث مرتمية هنا وهناك، تتزاحم لتخضيب الرمال، أطفال وشباب ونساء ومسنين لم يترك أحد بسلام طال القاتل الجميع، وفي ظل نزاعي النفسي أفزعني صوته الهادئ: أردتِ معرفة اسمي؟!

هززت رأسي بأجل.

  • وهل أفاد أحدهم اسمه، هناك ملايين الأسماء لهؤلاء لكنهم جميعًا باتوا جثثًا.. تركونا فارين إلى الله بدلًا من الفرار للناس، تلك الشوارع أطهر من بيوتكم التي فضلتموها على نجدتنا، أهلي تركوني لأعيش في غابتكم ورحلوا هم لجنة الله، للأسف أنا مجبر على البقاء لكن ليس معكم.

اقتربت منه علَّه يتركني أواسيه هذه المرة والدموع تنهمر بعد انقطاعها من عينيه، لكنه أبى وابتعد: لكل منكم دوره لذرف الدموع، أما نحن في سوريا جفت دموعنا واتقد عزمنا، تمامًا كما في فلسطين فمن ينتظر عربيًا يتحرك كمن ينتظر صنمًا ينطق.

- يا صغيري إن شمتنا في بعضنا فلن تنفرد لنا قامة.. وحتى تزول الغمة ويأتي منا من يوحدنا دعنا لا ننسى إنسانيتنا اقبل مني أقل ما أملك ولا تؤلمني بإعراضك، فالقلب ما دام حيًا فلا تيأس من النداء.

اقتربت منه مجددًا وضممته، ثم رحلت وأنا أحمله بين ذراعي وقبل الخروج من أرضه أوقفني: عديني أنا سنعود ولا تجعلي وعدك عربيًا.

فهززت رأسي: أعدك.

0

أخبار متعلقة