حكاية ثورة

اخر قرائه من
اقل من
1 دقيقه
قراءت الموضوع

حكاية ثورة

ديسمبر 23, 2016 - 19:02
التصنيف:

 

من يستطيع أن ينسى ثورة 25 يناير؟

أيام يناير وقبل تنحي مبارك وبعد نزول الجيش، كانت عاليا ابنتي عمرها أربعة أشهر، طلبت من والدتها أن تحضر بها إلى الميدان ومعها عمرو وعلاء أبنائنا إلى ميدان التحرير، قلت لها المصريين بيصنعوا تاريخ جديد وتلك لحظة يجب أن يعيشوها بكل ما فيها وما يأتي بعدها حتى لو لم يدركوا ما يحدث حولهم لصغر سنهم.

فغدًا ستمر الأيام والسنين ولكن ستبقى ذكرى يناير في ذاكرتهم أنهم كانوا هنا في ميدان التحرير حولهم شباب يرفع العلم بيديه والأخرى تتصدى للرصاص، شباب يحلم بالتغيير وينادي عيش حرية كرامة إنسانية.

شباب كسر حاجز الخوف والصمت وخرج عاري الصدر ليواجه جحافل الشرطة المدججة بالسلاح لم يخف الموت وهو يصرخ بأعلى صوته حرية حرية، مما جعل باراك أوباما وقتها يقول يجب أن نربي أبناءنا ليصبحوا كشباب مصر.

وجعل الرئيس النمساوي فيشر يقول شعب مصر يستحق جائزة نوبل للسلام.

وجعل رئيس وزراء بريطانيا يقول يجب أن ندرس الثورة المصرية في المدارس.

وتوالت الإشادات من كل حدب وصوب تؤيد حركة الشباب المصريين السلمية.

كنت أجمع أولادي كل يوم لأحكي لهم تفاصيل كل يوم من أحداث الثورة المصرية وأدعم ذلك بصور لهم في كل أرجاء الميدان حتى بعد تنحي مبارك.

كان الحراك الشعبي يزداد وحالة من السخط العام على النظام الذي تجبر وطغى وظهر الفساد في البر والبحر وحتى الهواء ومبارك في عليائه يقول خليهم يتسلوا غير مبالٍ بمعاناة الشعب وتردي كل الأوضاع في البلاد.

وكان بوعزيزي في تونس حافزًا لاندلاع ثورتهم والإطاحة بطاغية تونس، دفعة قوية أننا نستطيع، وكان حادث خالد سعيد واشتعال مواقع التواصل الاجتماعي فرصة على تجميع الشباب ومن قبلها حركة كفاية والجبهة الوطنية للتغير وظهور د/ البرادعي في ثوب المخلص  ولا للتوريث ونشأة الحركات الثورية فقد كنت عضوًا سابقًا في 6 أبريل ثم شباب من أجل العدالة والحرية حتى انتخاب مرسي.

وبدأ الشباب في التجمع في النقاط المحددة سابقًا على موقع كلنا خالد سعيد وسط غياب من القوى السياسية من أحزاب وجماعة الإخوان المسلمين بدعوى أن ذلك اليوم هو عيد للشرطة المصرية  وعلى حذر من غضب النظام إذا فشلت التظاهرة، ولكن خرج الشباب وكان أقصى طموحه هو تغيير حبيب العادلي وأعلى معدلات الطموح هو تغيير الحكومة.

ولكن الشرطة كانت على أهبة الاستعداد في كل أرجاء المعمورة تتصدى للتجمعات بكل عنف وقسوة بالرصاص الحي والغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لمحاولة فض تلك التجمعات والتي بدأت في الزيادة على مدار اليوم، ووسط تجاهل من التلفزيون المصري لحركة الأحداث حتى خرج علينا صفوت الشريف ليقول أن هناك مظاهرات محدودة لا تتعدى المئات وقد سيطر الأمن عليها ولكن المحطات الأجنبية والجزيرة كانت تنقل الحقيقة كاملة ومع مرور الوقت ازدادت سخونة الأحداث وخصوصًا في السويس بعد سقوط أربعة من  الشهداء هناك وكذلك في باقي المحافظات وبدأ الأمر في الخروج عن السيطرة ويقابلها عنف مفرط من الشرطة وحرب عصابات بين الثوار وأفراد الشرطة ووسط حملة اعتقال بل خطف كثير من شباب الحركات الثورية والمتظاهرين. وكل ذلك أدى إلى عدم التراجع وجعل سقف الطموح يزداد مع سخونة الأحداث، حتى كانت جمعة الغضب والثوار يرددون الشعب يريد إسقاط النظام وارحل ارحل.

كنت كل لحظة أدرك أنها أخر لحظاتي وأن الشهادة ستكون من نصيبي وقت أن تم اقتناص زميل لي بجواري مباشرة وقتها أحسست بالفزع والرعب وحالة من الهستيريا منظر الدماء وهي تنهمر من جسد الشاب الذي سقط بجواري لن أنساه مدى الحياة ومازال متعلقًا في ذهني حتى الآن ومن الممكن أن أكون التالي ولم أبالِ.

كنت أجلس عند عودتي للبيت لتغيير ملابسي مع ابنتي الصغيرة لأحكي لها عن قوة وصمود الشباب وأننا لن نتراجع حتى يسقط النظام وتعود مصر للمصريين، كنت أسير في الميادين أنظر إلى الوجوه وكأني أعرفها كل متواجد في الميدان لديه حلم وأمل لديه شكوى ووجع عيونهم بها إصرار بها غضب كنت أخرج قلمي وأكتب يا ترى بماذا يفكرون هل يحلمون بالغد المشرق الذي ننتظره؟

وعدنا إلى الميدان لنسمع أول خطابات حسني والذي جاء بعد فوات الأوان والذي غاب عن ذهنه أن الشعب خرج ولن يعود وأن الشعب قادر على حماية نفسه ومنشآته وقد تشكلت اللجان الشعبية لحماية الممتلكات من غدر النظام وبلطجيته ولمواجهة الانفلات الأمني.

ثم حدث هروب المساجين بل فتح السجون ليزداد الأمر سوءًا، ثم تم اختيار عمر سليمان نائبًا لمبارك ولكن الوقت كان قد فات ونزل الجيش ليحمي الشعب وليس شرعية الرئيس وتم الهتاف الشعب والجيش إيد واحدة وقتها أدركت الأمان وطلبت وقتها من زوجتي يجب أن يشارك أطفالنا في الحدث وقد كان.

وبعد نزول الجيش أصبح الميدان آمنًا وجعل كثير من الشعب يتوافد على الميدان وبدأت الأحزاب الغائبة والشخصيات العامة في الظهور في الميدان وظهر رجال كل العصور يركبون الموجة ويتسلطون على الثورة ويحاولون الدخول في المشهد والحصول على جزء منها أو الاستحواذ عليها وسط نبل من الشباب الذي خرج ليواجه الموت وقت أن كانوا آمنين في بيوتهم.

ثم تم تشكيل حكومة جديدة برئاسة الفريق أحمد شفيق وقد رفضها الشعب فور إعلانها وأن الشعب يرفض أي شيء سوى سقوط مبارك بكل زبانيته.

وتوالت ردود فعل الحكومات الغربية تطالب بضرورة الاستجابة لمطالب الشعب ووسط حماية الجيش للمتظاهرين ولكننا كان لدينا إصرار على استكمال حلمنا دون النظر إلى إملاءات الغرب.

حتى كانت كلمة مبارك الثانية والذي يتعهد فيها بعدم توليه فترة أخرى وأنه لم يكن يومًا طالب سلطة أو جاه وألا ينسى الشعب ما قدمه حربًا وسلامًا لمصر وأن على أرضه سيموت وأن نترك الحكم للتاريخ ليقول كلمته عن فترة حكمه وقد نجح هذا الخطاب في خلق حالة من الانقسام بين مؤيد لمبارك مرددين ندعه يستكمل مدته الرئاسية وآخرون يرون أنها مراوغة من النظام حتى انتهى ذلك الجدل بموقعة الجمل وما حدث فيها من قتل وحرق وصنع حالة من الحرب الأهلية وكنا نسمع  قبلها عن ازدياد الأعداد في ميدان مصطفى محمود المؤيدة لمبارك ثم جاء الخبر كالصاعقة علينا عندما علمنا أن هؤلاء يريدون أن يأتوا إلى التحرير لاقتحام الميدان وقد تحدث مجزرة لا محالة ثم حدث اشتباك وتراشق بالطوب وقد أصابني ذلك الطوب واستمر النزال حتى جن الليل ووسط ضرب ملتوف وقناصة وبلطجية وإصرار من الثوار على حماية الميدان حتى كان لنا ما أردنا وتم السيطرة على الميدان.

لا أنسى في الصباح عندما ظهر نور الشمس ورأيت منظر الميدان وكم الحجارة التي في أرجاء المكان جراء ذلك اليوم العصيب، وتم ضياع خطاب مبارك العاطفي بعد موقعة الجمل ولا سبيل غير رحيله ونظامه، فقد تحول الميدان إلى وطن وسندافع عنه حتى أخر نفس.

كان الميدان به حالة كاملة من التكافل والتكاتف غنينا رقصنا تسامرنا تصادقنا أكلنا وشربنا معًا كانت أرض الميدان سريرنا وسماءه غطائنا كنت أنام في الخيمة وكأنها بيتي كنت تجد الفقير والغني العامل ورجل الأعمال كانت هناك كل الوجوه المصرية كانت هناك مصر.

وكانت أول أخطاء الثورة هو الجلوس على مائدة التفاوض مع النظام عن طريق عمر سليمان متناسين المتواجدين بالميدان، مع قيام النظام بالإفراج عن بعض الشباب المخطوف في سجونه لإبداء حسن النوايا ولكن كلنا كنا نرفض التفاوض.

ومع أن الثورة ليس لها قائد منذ البداية ولكن خرج كثيرون يتكلمون باسم الثورة ويعتقدون في قرارة أنفسهم أنهم هم الثورة كان من أخطائها وسبب في انهزامها بعد ذلك.

ثم جاء خبر انعقاد المجلس العسكري بشكل دائم بدون مبارك أن ذلك بداية أمل وحلم وأمنية، ولكن خرج مبارك للمرة الأخيرة يخاطب الشعب ويتودد لهم مرة أخرى والميدان في حالة صمت لسماع كلمة مبارك لعله يتنحى ولكنه فوض عمر سليمان باختصاصات رئيس الجمهورية وأنه لن يستجيب لأية ضغوط أجنبية ثم هاج الميدان ولم نسمع باقي الخطاب وإنما الجميع خلع الأحذية ليرفعها عالية ويهتف ارحل ارحل في حالة من الهيستريا ردًا على خطابه.

ثم كان رد الفعل بعد الخطاب هو أن نتجه إلى قصر العروبة لاقتحام القصر وليحدث ما يحدث وتم تطويق القصر بخلاف كل ميادين مصر وحالة الضجر في ميدان التحرير وكانت الجمعة الأخيرة لمبارك وكان يومًا طويلًا جدًا حتى خرج عمر سليمان ليلقي البيان الذي انتظرناه طويلًا أيها المواطنون في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن رئاسة الجمهورية وتكليف المجلس العسكري بإدارة شئون البلاد والله الموفق والمستعان.

سقط النظام الحمد لله سجدت لله شكرًا في مكاني وسط دموعي.

ثم رأينا تحية اللواء الفنجري لشهداء الثورة الذين ضحوا لحرية بلادهم.

وانتهى أجمل 18 يومًا من عمر الثورة المصرية ليبدأ عهد جديد أخر.   

0