الخبر التالي

ينابيع العشق

اخر قرائه من
اقل من
1 دقيقه
قراءت الموضوع

ينابيع العشق

فبراير 04, 2017 - 23:04
التصنيف:

 

يرفع الستار، ويبدأ المشهد في حديقة منزل صغيرة، ولكن بها العديد من الزهور المختلفة الألوان، والأشكال على قدر كافٍ بأن تعطيك نسمات متتالية من البهجة، والسرور، وعبيرها المختلط يتسلل إلى ثنايا روحك بهدوء فتشعر بأنك بالفعل على قيد الحياة، وفي زاوية بعيدة بها تجلس امرأة تدعى وفاء قد تجاوزت الأربعين من عمرها عيناها سارحتان في أشعة الشمس، وهي تغيب تدريجيًا، وكأنها تأبى المغادرة بشكل قاطع فتشعر من يراها بالحزن العميق.

ممسكة بكوب من القهوة التي لم تكن تعرف مذاقها قط إلا عندما دخل رجل حياتها فعلمت من بعدها أنها حياة داخل حياتنا فتكفي رائحتها الدافئة الحنونة التي تحتضنك بين ذراعيها فتنسى الهموم التي تتحرك ذهابًا، وإيابًا في عقلك، وقلبك أحيانًا يقولون أن القهوة مشروب ذكوري، وقد أوافقهم الرأي فلقد كان مدمنًا عليها حتى أصبح عبيرها هو أفضل العطور لديه.

_ تأتي فتاة في العشرين من عمرها متجهة إلى وفاء قائلة:

* طنط وفاء!! ساعديني.                                                    * ماذا بك حبيبتي؟! ولماذ تبكين!!

* والدي رفض أن أرتبط بشخص أحبه.    * ألهذا تبكين!! سأحكي لك قصة وبعد ذلك سأذهب للتحدث مع والدك لا تقلقي.

في صغري ربما عندما كنت في العاشرة من عمري أعجبت بزميل لي في المدرسة يدعى أحمد، وكنا نلعب، ونجري، ونلهو، وكانت والدتك هدى هي أعز صديقة لدي، وكانت أحيانًا تشاركنا الحديث فهذه الأيام كانت أجمل أيام حياتنا كنا لا نهتم سوى بالسبيل الذي يجعلنا سعداء، وكان إذا قام أحد بضربي يسرع أحمد إليه، وعينيه بها غضب غير عادي، ويمسك بيدي، ويبعدني عنه بعد أن يبرحه ضربًا، وفي أحد الأيام حدثت مشكلة كبيرة، وتم فصله لعدة أيام بسبب ذلك، وبعد أن عاد إلى المدرسة أعطاني كراسته مكتوبًا على إحدى صفحاتها (أحبك) بخط مائل، وغريب فكان جميلًا بمقدار غرابته.

ومرت السنين حتى أصبحنا في مثل سنك، وأصبح مهندسًا، والتحقت بكلية الإعلام، ووالدتك أكملت طريقها في مجال الطيران، وعندما رأيته في أرجاء الجامعة كان قد اختلف بشكل كبير كانت لحيته الشبابية تزين وجهه فتزيده إشراقًا، وطيبة فتجمعت به الصفات التي تحلم بها أية فتاة الحكمة، والذكاء، والشهامة، وحب الخير للغير، والرغبة، والطموح لأن يبقى دائمًا ناجحًا في حياته كنا ننظر إلى بعضنا البعض، ولا نتحدث بأي شيء فلم نكن نعلم ماذا نقول؟! أو ما ينبغي علينا قوله؟! كنا نلتزم الصمت حتى يتخطى أحدنا الآخر، وجاء يوم، وأعلن هو عن نهاية هذا الصمت الذي ربما كان أفضل بكثير مما سيقال من بعده، وطلب أن يتحدث معي، وذهبنا إلى كافتيريا الجامعة.

* لم تتغيري كثيرًا يا وفاء بقيتِ جميلة كما أنتِ.

* سعدت كثيرًا يا أحمد عندما علمت بالتحقاقك بكلية الهندسة فلقد كان حلمك منذ سنين.

* وأنتِ ستصبحين يومًا أفضل كاتبة على مستوى العالم كما تمنيتِ في صغرنا.

* أتمنى ذلك.                                                       * وأنا أيضًا.

ومرت أربعة سنوات بسرعة البرق لم أكن أعلم فيها أن الوقت سريع إلى هذا الحد!! وعلى مدار هذه السنوات كنت أنا، وأحمد نذهب إلى كافيتريا الجامعة كثيرًا حتى أصبحت مكاننا المفضل نتحدث في أمور عديدة لم تكن تنتهي يومًا، وبقت أمور أخرى سلبها منا الوقت فلم نتحدث عنها، وفي يوم تخرجي فاجأني برسالة (أنا أحبك، وأحببتك منذ صغرنا فكنت دائمًا ملاكي الذي لن أسمح لأحد بأذيته عشقت طيبة قلبك، ونقاء روحك فأنتِ هائمة في ملكوت أتمنى أن أبقى فيه دائمًا، وألا أخرج منه أبدًا كي لا يضل طريقي أميرتي.. أتقبلين الزواج بي؟!).

وأرسلت له بعد دقائق بكيت فيها من شدة فرحي (يا من جعلتني أعلم ما معنى الحب، وما هي ينابيع العشق!! يا من يتعطر برائحة القهوة حتى جعلتني أدمنها من أجل أن أختبر شعورًا تختبره أكثر من مرة في اليوم يا من أحببتك في صغري، وأحبك الآن، وسأحبك إلى اليوم الذي لا يوجد فيه يوم أوافق أن أكون أميرتك يا أميري).

كان هذا اليوم هو أسعد أيام حياتي، وفي اليوم التالي ذهبنا إلى حفلة تخرجي، وأحضر لي العديد من الهدايا لكن الهدية التي بقت معي إلى الآن هي قلادة بها اسمي، واسمه كم أحببتها!! دائمًا تبقى قريبة من قلبي لأن هذا مكانها الطبيعي أتعلمين هي مجرد صورة أصلها منقوش في قلبي منذ سنين، وأخبرني في هذا اليوم أنه سوف يأتي، ويتقدم لطلب الزواج مني، وذهبت إلى البيت كطائرة تحلق في السماء وسط الزحام لم أكن أرى أحدًا سواه أتعلمين شعور أن تبقي وجه واحد في خيالك، ويرفض أن يأتي أحد من بعده!! ومرت ساعات، وكأنها دهور عدة بالنسبة لي، وجاء، وجلس مع والدي، ووالدتي، وقابلته، ولكن دائمًا لا تبقى الأيام سائرة بجوارك فإنها تواجهك لتعطيك بعض الصدمات فتستفيقين من أحلامك الناعمة.

رفضه والدي، وحاول أحمد أن يتحدث معه أكثر من مرة، ولكنه صمم على رأيه مبررًا ذلك بأنه لم يتخرج بعد، ولن يستطيع أن يؤمن لي عيشة مستقرة حاولت أنا أيضًا أن أتحدث معه، وعندما وجدني مصممة على رأيي قرر سفرنا للخارج للأبد، ورحلت بعد أن ودعته في رسالة صماء عاجزة فيا لسخرية الحياة التي تجعلنا نكتب بأيدينا رسائل تحيينا وأخرى تميتنا!!.

بقيت في الخارج لسنوات عدة حتى جئت، وأنا امرأة في الأربعين من عمرها، وعلمت بأنه تزوج من أخرى، وأسمى ابنته وفاء، وفي أحد الأيام عندما كنت أسير معك، ومع والدتك هدى رأيته، وظن أنك ابنتي لم يكن يعلم بأنني لم أتزوج، ولم أَنْسَه يومًا، وكانت حياتي تتلخص في الكتابة، وحضور معارض جديدة فحتى هوايتي شعرت أنني امتلكتها من أجل أن أخلد ذكراه ففي كل صفحة، وشخصية شيء منه بقي خالدًا في خيالي.

* ألم تشتاقي إليه؟!.                                 * أنا لم أشعر بشيء على مدار هذه السنوات سوى بالاشتياق إليه.

* إذًا لماذا لم تخبريه أنك تتنظرين طوال هذه السنوات؟!!.

* لقد أصبح يحيا حياة أخرى لا يوجد لي مكان بها أتعلمين أن للعشق ينابيع عدة أنا أسير على إحداها، وهو منبع الدعاء له أن يبقى دائمًا سعيدًا، وبخير فأنا عشقته، ولم أعشق وجوده فقط فهو الحاضر الغائب أينما كان، وفي أي مكان، وزمان.

* أما زلتِ قلقة أن تفقدي حبك حبيبتي؟!.                                               * لا.. فيكفيني ألا أفقد ذكراه.

* أنا سرت على ينبوع الدعاء، ولكن أي ينبوع من ينابيع العشق ستفضلين!! دعينا نتحدث مع والدك، ونرى ما تخفيه الأيام.

0

أخبار متعلقة