قبضة روح

اخر قرائه من
اقل من
1 دقيقه
قراءت الموضوع

قبضة روح

فبراير 06, 2017 - 13:57
التصنيف:

 

دائمًا تحاربنا حياتنا تقف أمام وجهنا، وهي تحمل راية تتضمن جملة الانتصار لي، ولي وحدي تمنحنا سعادة غامرة، وفي لحظة تسلبها منا لتجعلنا نتذوق ألم الهزيمة فنحن جئنا من عالم فوق سبع سماوات لنكن كل وقت في موضع اختبار فالإنسان بطبيعته لا يستطيع أن يكن بمفرده وحيد، وبعيد، وصامت كطفل صرخ باكيًا باحثًا بين عبير البشر على رائحة أحضان أمه، وعندما أتعبه الصراخ قرر أن يصمت للأبد، وتمر زهرة شبابه أمامه، وهو صامت حتى ينال الشيب من رأسه.

* مريم: صباح الخير يا علي، قوم أنا حضرت الفطار يا حبيبي.

* علي: صباح النور يا حبيبتي، حاضر، عشر دقائق بس.

* مريم: علي! أنت كل عشر دقائق تقول عشر دقائق بس!!

* علي: الساعة كام يا مريم؟

* مريم: الساعة 7 يا حبيبي، اتأخرت على شغلك يا حضرة الضابط.

* علي: ثانية وأكون جاهز يا ملاكي.

(هذه الكلمات الصباحية لم تتغير منذ ثلاث سنوات بين مريم وعلي، فهما اثنان تزوجا زواجًا تقليديًا، ولكن منذ اليوم الأول قررت مريم أن تمنح كل الحب الذي تملكه لزوجها لتجعله يتعلق بها أكثر، ولكي تعطيه السعادة، وتدخل السرور إلى قلبه، وتساعده على أن يتفوق في عمله، وبالفعل استطاعت مريم أن تحقق ذلك فلم تعمل كمحامية لتوفر وقتًا أكثر للاهتمام بمسئوليات بيتها، ولم يمر يوم عبث فيه وجهها أمام زوجها علي مهما أتعبتها كثرة الأعمال المنزلية فكانت دائمًا مرحة، وسعيدة، وذات ابتسامة هادئة، وراقية، ولهذا عشقها علي، وأصبحت مريم كل حياته، ويسعى جاهدًا لكي يسعد قلبها الطيب، ولكن كانت ظروف عمله تجعله يقصر بعض الشيء معها، وهي كانت تستقبل ذلك بتفهم كبير، وبدعوة قائلة: (ربنا معاك يا حبيبي)).

* مريم: يا علي!!

* علي: نعم يا حبيبة قلب علي.

* مريم: هو أنا زوجة صالحة يا علي؟

* علي: طبعًا يا حبيبتي، أنت ليا مش بس زوجة صالحة أنت  حبيبة عمري، وأمي، وأختي، وصديقتي، وكل دنيتي.

* مريم: أنت مش زعلان مني على أي حاجة عملتها غلط؟

* علي: لا يا حبيبتي، أنا عمري ما أقدر أزعل منك بس ليه الأسئلة، والدموع اللي في عينيك دي أنت بخير يا مريم؟!

* مريم: أه يا حبيبي أنا بخير الحمد لله.

* على: بس أنا قلقان عليك انت شكلك تعبان يا مريم تعالى نروح للدكتور!!

* مريم: لا أنا بخير صدقني روح انت شغلك ،وأنا هنام شوية

* علي: حاضر بس لو حسيتي بتعب اتصلي عليا، وأنا أجي فورًا.

* مريم: حاضر يا حبيبي.

(ذهب علي إلى عمله، ومر الوقت، وقاربت الساعة على الثانية بعد الظهر، وأراد أن يتصل بمريم ليطمئن عليها فأمسك بهاتفه، ولكن لم يوجد رد فازداد قلقه، وحاول أن يتصل أكثر من مرة، ولكن لم ترد مريم فخرج مسرعًا متجهًا إلى بيته، وعندما وصل وجد مريم بثوب الصلاة واقعة على الأرض فشعر بخوف شديد، وحملها بين يديه، وهو يبكي قائلًا: لا تتركيني يا مريم، لا تتخلي عني يا ملاكي، وذهب إلى المشفى، وهناك أخبره الطبيب بأنه قد فقد زوجته!)

’’توجد عبارات تسمعها الآذان، ولا نستطيع أن ننساها أبدًا مثل دعوة الجدة لحفيدتها في الصباح قبل ذهابها إلى كليتها، وأول عبارة تتضمن اعتراف شخص بحبه لحبيبته، وعبارات التهنئة على نجاحنا، واجتيازنا أمرًا صعبًا، وعبارة أنا بجانبك دائمًا، ولن أتخلى عنك أبدًا في أوقات ضعفنا، وشدتنا، وأيضًا لا نملك القدرة الخارقة لكي ننسى جملة تعني أننا فقدنا شخصًا كان يمثل حياتنا، وما قبلها، وما فيها، وما بعدها فنحن أضعف بكثير جدًا من ذلك‘‘

(مرت ساعات طويلة، وكان علي فيها غير قادر على الحركة أو الكلام، تجمع أشخاص كثر من حوله يتحدثون إليه بعبارات باردة لم يهتم بها، ولم يبادلهم برد بارد يناسب كلماتهم، وحان وقت دفن زوجته مريم فرأت عيناه المرأة التي أحبها، وتعلم قواعد العشق على يديها تذهب بعيدًا عنه يواريها التراب، وهو لا يعلم ماذا يفعل سوى أن يكون وحيدًا، وبعيدًا، وصامتًا، طلب منه أحد أقاربه أن يرحل معهم، ولكنه أبى، وقرر المكوث عند قبر زوجته بمفرده فاستجاب الآخرين لطلبه لعل هذا يريحه، وكانت الساعة في هذا الوقت قد تخطت العاشرة مساء، ومن شدة إرهاقه، وحزن عينيه غفا، واضعًا رأسه على قبر مريم زوجته)

* مريم: علي.. يا علي.. اصحا يا حبيبي.

(حاول علي أن يفتح عيناه ببطء، وينظر يمينًا، ويسارًا غير مصدق ما يسمعه ترتسم علامات الذهول على وجهه، وملأت الفرحة قلبه، وكأن الطفل الذي ضاعت خطوط يد أمه من خطوط يده قد كبر، وأصبح رجلًا، وأذنيه تسمع من جديد بعد غياب سنوات الكلمة المميزة بينه، وبين شفاه أمه، والتي تساعده على أن يميز صوتها من بين ملايين من البشر).

* علي: أنت فين يا مريم؟؟

(تظهر مريم أمام علي بثوب ملائكي شديد البياض، ووجهها كما كان دائمًا هادئًا صافيًا مبتسمًا برقة قد تجاوزت الحدود حتى صنعت قلمًا جديدًا يدون مبادئ الجمال، وكانت هي عنوانها، ومقدمتها، وخاتمتها)

* علي: مريم.. حبيبتي ليه بعدت عني يا مريم أنا بقيت ضعيف، ومهزوم من غيرك.

* مريم: أنت مكانك مش هنا يا علي.

* علي: أنا مكاني هو المكان اللي أنت فيه يا مريم.

* مريم: روح بيتنا يا علي.

(يستيقظ علي من سباته، وجسده يرتعش بشدة، ولا يدور في عقله سوى آخر جملة قالتها مريم فأسرع إلى بيته، ودخل غرفة نومه وحيدًا، وبعيدًا، وصامتًا، وتذكر ضحكات مريم التي ترددها اليوم الجدران في غيابها، ورأى ملابسها فقربها من صدره، وضمها بقوة، وهو يذرف الدموع التي لم تقلل من حزن قلبه، وغضب عقله، ولو بالقدر اليسير، وعندما وقعت نظراته على ملابس عمله ابتسم، وتذكر مريم عندما ارتدتها، وكانت واسعة عليها، ولم تستطع أن تسير بها، وفي غمرة مشاعره المختلفة رأى جوابًا فبدأ في قراءته)

"علي.. حبيبي أنا مش عارفة أكتب لك إيه؟

 أنا بحبك يا علي، بحبك من زمان، يمكن من أول ما جيت على الدنيا، ولا يمكن من قبل كده من أول ما ربنا سبحانه وتعالى كتب لنا ننزل على الأرض كنت بحاول أسعدك، وأساعدك تحقق أحلامك على قد ما أقدر كنت ليا الزوج، والحبيب، والأب، والأخ، والصديق، فاكر لما كنت بتقول إنك مقصر في حقي، وإن شغلك واخد وقتك، أنا كنت بقولك مش مهم، وادعي إن ربنا يكون معاك في كل وقت بس كنت بكون محتاجة لوجودك، عايزة أقولك إنى من أسبوع حسيت بوجع جامد في قلبي، وروحت للدكتور وقال إن قلبى ضعيف، وإني محتاجة عملية نسبة نجاحها 5%  حاولت أقولك بس خفت عليك، النهاردة عيد جوازنا، أكيد كنت ناسي زي كل مرة، كل سنة وأنت طيب يا علي، وكل سنة وأنت زوجي في الدنيا وفي الجنة، تعرف إن أكتر حاجة مفرحاني هي إن ربنا استجاب دعائي كنت بدعيه ديما يكون يومي قبل يومك.

حبيبتك مريم"

(شعر علي بأنه ينهار بعد انتهائه من قراءة الرسالة، ودارت العديد من الأسئلة في رأسه كيف لم ألاحظ تعبها؟ لماذا لم أهتم بها أكثر؟! لو تعود الأيام، ولو لثواني محدودة لضممتها إلى قلبي طول الوقت ولكنت كرست كل لحظة من أجلها، ولكن كيف تعود الآن!!)

سامحيني يا مريم...

(لم تنتهِ القصة بعد فربما جاءت البداية الصحيحة وهي أن علي يزور قبر مريم ويهتم به مرات عديدة كل أسبوع)

"تمر أيامنا المتشابهة بسرعة تامة تحدث فيها مجموعة من الأمور البسيطة التافهة التي تسلب راحتنا، وهدوءنا ثم ترحل في صمت، وكأن شيئًا لم يكن تاركة خلفها أشخاصًا غير مكتملي الملامح، وضي أعينهم خافت، وأرواحهم مهزومة، وأجسادهم متعبة مرهقة غير قادرة على تحمل أي عبء حتى وإن كان يعادل شكة من الدبوس ناسين متناسين أصدقاء، وأقارب قد ردم التراب على حروف أسمائهم، ولا نتذكرها إلا عندما تعلق هذه الحروف على لوحة بيضاء قبلها كلمة الفقيد، وتحمل آية قرآنية (إنا لله وإنا إليه راجعون).

0