أحسِن كما أحسَن الله إليك

اخر قرائه من
اقل من
1 دقيقه
قراءت الموضوع

أحسِن كما أحسَن الله إليك

فبراير 16, 2017 - 23:09
التصنيف:

 

إن القول الفج _والذي يجملونه بوصفهم إياه بالصراحة_ هو أفضل بكثير من النفاق.. هي جملة يرددها الكثيرون هذه الأيام ربما لتبرير فعل الوقاحة!

 ما هذا؟!

حقًا ما هذا ألا يوجد هناك شيء وسط؟!

ثم إن الصراحة إذا خلت من الإحسان والتأدب في قولها فما عساه يكون الفارق بينها وبين الوقاحة إذًا؟!

قد أتفهم انزعاج أحدهم من آخر, ولكن الطريقة التي يستخدمها للتعبير عن انزعاجه ذلك إن لم تكن معجونة بالإحسان فـقد خسر الحق, وليس له من شفيع.. وقد يحسبه هينًا وهو عند الله عظيم.

الغلظة في القول والنفاق كلاهما سيئ, وكلاهما لا أخلاق فيه, وهناك دائمًا وسط.. فـليس عليك أبدًا أن تتفوه بقول فج فتؤذي به القلوب, ولا أن تنافق فـتُهين العقول!

ومؤكد أن الإحسان هو أفضل شيء.. أفضل ما يمكن فعله،

أما إذا لم تكن قادرًا على أن تقدم صراحتك تلك بإحسان فرجاءً ما عليك إلا أن تلزم الصمت, والذي قد يكون في هذه الحال هو الوسط بين ما تعتقد أنه صراحة, وبين النفاق..

وقبل أن تصف قولي بالظلم لك, وتتساءل لم قد يضيع حقي والآخر هو المخطئ! سأخبرك أن كثيرًا ما يحدث أنه قد يرفض أحدهم قولًا ما أو فكرة ما لمجرد أن القائل لم يحسن اختيار الأسلوب المناسب في عرضها وتقديمها, وهذا بصرف النظر عن طبيعة تلك الفكرة أصوابًا كانت أم خطأ, وأحقًا كانت أم باطلاً؟؟..

نعم.. فـهذا يحدث وطبيعي كذلك أن يحدث؛ لأن فطرة الإنسان وطبيعته مُبرمجة لـ ألا تطيب إلا لـ كل ما هو حسن من القول أو الفعل, وهذا من شأنه أن يُنبه أولي الألباب إلى أهمية أن يتعلم الإنسان كيفية التعبير عن أفكاره وآرائه قبل أن يتعلم كيفية تكوين تلك الأفكار والآراء جُملةً من الأساس, لـ ألا يسبب الأذى لأي أحد, وهذا عمل إنساني عظيم لو تعلم!

و"إزالة الأذى عن طريق القلوب أعظم أجرًا وأشد إلحاحًا من إزالة الأذى عن طريق الأقدام" كما يقول القائل,

فماذا عن إلحاق الأذى بالقلوب؟!

هذا فضلًا عن أنه عليك أن تتذكر يا عزيزي قول الله تعالى: "ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك".. وقد قيلت لخير من داست قدماه الشريفتان الأرض، ولمن كان على خلق عظيم..

لقد قالها الله لنبيه _عليه الصلاة والسلام_ بالرغم من أنه كان على حق ولم يكن يدعو إلا لـ حق, ومؤكد أن الآخرين كانوا هم الباطل, وقد قالها جل شأنه أيضًا بصرف النظر عن طبيعة الموقف الذي يتبناه الموجهة إليهم الدعوة، فالإحسان كان شرطًا أساسيًا لتلك الدعوة فحسب، وكونهم مخطئين لم يغير أي شيء في وجوب الإحسان في معاملتهم.. هكذا علّمه ربه, وهكذا يعلمنا ديننا.

يعلمنا أن الإحسان هو احترام مشاعر وكينونة الآخر الإنسان حتى لو كان مخطئًا, وحتى لو كان عدوًا.. يعلمنا أن ندفع بالتي أحسن, لأن اختيارك للأسلوب من شأنه أن يجعل الآخر ينجذب إليك أو أن ينفض من حولك, ومن شأنه كذلك أن يجعل الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم.

لقد خلقك الله في أحسن تقويم.. خلقك بإتقان وإحسان, وميزك بالعقل, فأحسِن كما أحسن الله إليك.. أحسِن في عبادة الله, وفي تعاملك مع خلق الله, فـ أنت في الحقيقة لا تُكرم أحدهم بإحسانك له بل تُكرم خالقه.

 الإحسان هو أن تكف الأذى.. هو أن تكره فكرة مفادها أن هناك شخص ما في مكان ما في هذا العالم قد عاش أو يعيش الآن لحظة شقاء وتعاسة بسببك أنت!!

وأن تكره كذلك أن تكون عبئًا على أحدهم أو أن تسبب له ضغطًا ما!

وليس هذا فحسب بل حتى كونك لا تستطيع نفسيًا أن تكون مرتاحًا في مكان ما وبه إنسان مقهور أو غير مرتاح هو من الإحسان..

الإنسان في هذه الحياة ما هو إلا أثر فإن فني جسدك ولم تترك كذلك أي أثر يدل يومًا على أنك قد مررت من هنا.. فـماذا عساه يتبقى منك إذن؟!

والنبي _صلى الله عليه وسلم_  يقول:

"إن الله كتب الإحسان على كل شيء"..

على كل شيء.. في كل جوانب حياتك وعملك وعبادتك وأخلاقك وتعاملك مع كل البشرية وجميع المخلوقات والحيوانات, فـهي مِلكٌ لله في يدك.

والإحسان في الدين هو ثالث مرتبة بعد الإسلام والإيمان, وإذا كان الإسلام هو نطق الشهادة والتسليم بأنه لا إله إلا الله، وبراءة من الشرك.. والإيمان هو ستة أركان تسكن القلب لا اللسان، وتطبيق.. فإن الإحسان هو إتقان التطبيق.

إنه روح العبادة, وكمال الدين.. ليس أن تعبد الله, ولكن أن تعبده على أكمل وجه.. أن تعبده كما يستحق, فـ تراقب ربك وتَـتقيه في أفعالك, لعلمك اليقيني المؤكد وإيمانك المطلق بأنه يراقبك ومُطلع عليك.. أن تردد قبل القيام بأي عمل هل يرضى به الله؟

والإحسان ضدٌّ للإساءة.. فإحسانك يقتضي منك أن تقابل السيئ بالحسن, وأن تقابل الحسن بالأحسن منه.. وهكذا تصبح الحياة مكانًا أفضل.

هو أن تفعل الخير ولا تستصغره.. فـلا تقضِ العمر في انتظار اليوم الذي تصبح فيه إنسانًا ثريًا كي تقوم من بعدها ببناء مستشفى لعلاج الناس بالمجان إن كان في مقدورك الآن أن تتبرع ولو بجزء صغير من مالك قد يساهم في بناء مستشفى آخر لا يحمل اسمك, أو حتى أن تتبرع بالدم.. فكل إنسان في هذه الحياة لديه ما يمكنه تقديمه، ولو كلمة.

وأن تفعل الخير وتلقه بالبحر كما يقولون, مع إيمانك الحق أنه لن يغرق, ولن يضيع هباءً منثورًا, وسيرجع إليك يومًا ما بشكل أو بآخر, وسيجازيك الله به, والله لا يضيع أجر المحسنين, وعند الله لا جزاء للإحسان إلا الإحسان, ومؤكد أن إحسان الخالق يفوق إحسان المخلوق، وأعظم منه.. فانتظر.

وأفعال الخير في الحقيقة على اختلافها لها جزاءات ومكافآت فورية من نوع آخر.. فذلك الإيمان الحق سيزرع بداخلك ورودًا برائحة الأمل.. سيزرع بداخلك شعورًا ما بأن هناك خيرًا ما سيُكافئك الله الكريم به, وهذا الشعور النفسي وحده كافٍ لكي يجعلك سعيدًا وإن لم يكن حولك حقًا ما يسعدك.. أليس كذلك؟

ألم يراودك شعور كهذا من قبل؟

إذا كانت إجابتك وأنت تقرأ هذه الكلمات هي لا, فأنت في الحقيقة لست محسنًا..

هناك متعة جلية في الأمر، فأقصر الطرق للحصول على السعادة هو أن تنشرها.. فـلا تظن أبدًا أنك عندما تَهُم بتقديم المساعدة لأحدهم أنك تساعده هو فحسب, لا يا عزيزي بل تساعد نفسك أولًا.

والإحسان ليس أن تنفق وإنما أن تنفق مما تحب، وليس أن تسرف أو تقتر وإنما أن تكون بين ذلك قوامًا..

وليس أن تعمل وإنما أن تعمل بإتقان.. لا لتجني الأموال، ولا لترضي رب عملك فحسب وإنما لترضي ضميرك الحي وربك الخالق..

 هو أن تمتلك نفسًا لوامة وضميرًا حيًّا لا تستطيع معه أن ترتكب خطأً ما أو أن تذنب, وتكمل يومك بعدها بسلام وراحة دون أن تسرع بإصلاح ما قد سبق وأفسدته, فـترجع إلى ربك تائبًا مستغفرًا, والله غفور رحيم..

 ففي النهاية إن الكل يخطئ, ولكن الكل لا يتوب!

أن تتكلم جيدًا, وتنصت جيدًا, فتستشعر نفسك في مكان الآخر وزمانه عندما يلجأ إليك..

 أن تكثر محاولاتك لفهم الآخر أو التخفيف عنه _وإن كانت روحك مثقلة, أو على الأقل ألا تزيد من ثقل ما يحمله_ هذا وإن لم يكن ذلك الآخر محسنًا في الاستماع المجرد إليك!

_إن كنت تستطيع أن تفعل ذلك, فافعل_

أن تبتسم في وجه الآخر، وتلتمس له الأعذار..

وأن تدرك كذلك تمام الإدراك أن هناك في جهنم مثوى للمتكبرين, فتتعلم ألا تُزَكّي نفسك؛ لأن الله عليم بمن اتقى, فتترك غرورك وألقابك وعنجهتيك عند الباب.

أفعال الإحسان كثيرة لا يمكن حصرها, ولكن ما يمكن أن أؤكده هنا هو أن كل ما تطيب له روح الإنسان ونفسه اللوامة هو إحسان..

دائمًا ما أُرجع أصل كل ما هو طيب وحسن وجميل في الحياة الدنيا إلى الدين, كلي ثقة بما أؤمن وأعتنق, وآي الإحسان في الفرقان كثيرة, وجزاؤه في الإسلام عظيم.. فالله يأمر بالإحسان, والله يحب المحسنين, والله معهم, والله يبشرهم.. فاسلك طريق الإحسان, وأِحسِن كما أحسَن الله إليك....

0